القرطبي
85
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الله ما يلقى الشيطان ) قال : فيبطل الله ما يلقى الشيطان . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله . وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير ، رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا . والمعنى عليه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول : لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون ، ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك ، فيبطل ما يلقى الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما . وحكى الكسائي والفراء جميعا : " تمنى " إذا حدث نفسه ، وهذا هو المعروف في اللغة . وحكيا أيضا " تمنى " إذا تلا . وروى عن ابن عباس أيضا وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما . وقال أبو الحسن ابن مهدي : ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شئ ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صفرت يداه من المال ، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال ، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان . وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، وهو اختيار الطبري . قلت : قوله تعالى : " ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة " الآية ، يرد حديث النفس ، وقد قال ابن عطية : لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة ، بها وقعت الفتنة ، فالله أعلم . قال النحاس : ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحا ، ويكون معنى سها أسقط ، ويكون تقديره : أفرأيتم اللات والعزى ، وتم الكلام ، ثم أسقط ( والغرانيق العلا ) يعنى الملائكة ( فإن شفاعتهم ) يعود الضمير على الملائكة . وأما من روى : فإنهن الغرانيق العلا ، ففي روايته أجوبة ، منها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة ، ويجوز أن يكون بغير حذف ، ويكون توبيخا ، لان قبله " أفرأيتم " ويكون هذا احتجاجا عليهم ، فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة . وقد روى في هذه القصة أنه كان مما يقرأ : أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى . والغرانقة العلا . وأن شفاعتهن لترتجي . روى معناه عن مجاهد . وقال الحسن : أراد بالغرانيق العلا الملائكة ، وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة . وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون [ أن ] الأوثان والملائكة بنات